بين خطاب “تأطير الشباب” وواقع احتكار المقاعد.. هل حان موعد تداول النخب السياسية؟
في الوقت الذي يواصل فيه عدد من البرلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية التموقع في المشهد السياسي لعقود طويلة، ما تزال نفس الوجوه تتصدر المجالس المنتخبة والبرلمان ومجالس الجهات والمدن والجماعات، وكأن المغرب لم يُنجب خلال هذه السنوات الطويلة كفاءات جديدة قادرة على تحمل المسؤولية. وهو واقع يثير نقاشاً متجدداً حول حدود الاستمرارية السياسية وجدوى بقاء بعض المنتخبين في مواقع القرار لأكثر من ثلاثين سنة، رغم ما يزخر به المجتمع المغربي من طاقات وكفاءات شابة مؤهلة لتولي المسؤولية.
وخلال جواب أحد البرلمانيين على سؤال صحفي مباشر بشأن استمراره في العمل السياسي وترشحه المرتقب للاستحقاقات التشريعية المقبلة، برر حضوره المتواصل بكونه يسعى إلى تأطير الشباب ونقل التجربة السياسية إليهم وإعداد جيل جديد قادر على خوض غمار العمل الجماعي والبرلماني. غير أن هذا التبرير يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى نجاح هذا “التأطير” بعد عقود من الحضور السياسي، في ظل استمرار هيمنة نفس الأسماء على المشهد الانتخابي.
ويبدو أن الرسالة التي حاول البرلماني المذكور تمريرها خلال حديثه جاءت في سياق الرد غير المباشر على أصوات شبابية عبّرت، خلال لقاء خصص لتقديم الحصيلة البرلمانية للفترة 2021-2026، عن رغبتها في رؤية وجوه جديدة داخل المؤسسات المنتخبة. واستند هؤلاء الشباب إلى التوجيهات الملكية الداعمة لمشاركة الأجيال الصاعدة في الحياة العامة، والتي تؤكد أن السياسة ليست امتيازاً لفئة بعينها، بل مجال مفتوح أمام جميع المواطنات والمواطنين، خاصة الشباب.
وفي المقابل، ما زالت بعض الخطابات السياسية التقليدية تربط الولوج إلى المسؤولية الانتخابية بضرورة المرور عبر مسارات طويلة داخل الجمعيات والأحزاب، وهو تصور بات محل نقاش واسع في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وتزايد المطالب بفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة المباشرة في تدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، يشكل مشروع مراجعة شروط ترشح الشباب دون سن 35 سنة، كما ورد في بلاغ الديوان الملكي، محطة سياسية مهمة تعكس إرادة واضحة لإعادة بناء جسور الثقة بين الشباب والعمل السياسي، بعد سنوات من العزوف الانتخابي وتراجع الاهتمام بالمشاركة الحزبية، وهي الظاهرة التي برزت بشكل لافت من خلال الأشكال الجديدة للتعبير سواء في الفضاء الرقمي أو في النقاشات العمومية.
وتعكس هذه المبادرة وعياً متقدماً بضرورة تجديد النخب السياسية وضخ دماء جديدة داخل المؤسسات التمثيلية، ذلك أن الإشكال لم يكن يوماً في غياب الكفاءات الشابة، بل في وجود عراقيل تنظيمية ومادية وسياسية حالت دون وصولها إلى مواقع القرار والمنافسة على قدم المساواة مع الفاعلين التقليديين.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار المشروع الملكي تصحيحاً لمسار سياسي سابق ظل محل انتقاد من طرف فئات واسعة من الشباب المغربي، الذين وجدوا أنفسهم لسنوات خارج دائرة التأثير الانتخابي بسبب تعقيد شروط الترشح أو غياب الإمكانيات المالية واللوجستيكية الضرورية لخوض الاستحقاقات الانتخابية.
كما يحمل هذا التوجه دلالة رمزية قوية تؤكد أن الدولة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تتجه نحو جعل الشباب في صلب المعادلة السياسية والتنموية، باعتبارهم قوة اقتراحية وطاقة وطنية أساسية في بناء مغرب المستقبل.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن واقع العزوف السياسي الذي طبع السنوات الأخيرة، والذي ارتبط أساساً بتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية التي واجهت صعوبات واضحة في تجديد نخبها وخطابها وآليات اشتغالها بما ينسجم مع تطلعات الأجيال الجديدة.
وفي هذا الإطار، فإن تبسيط شروط الترشح، إلى جانب تخصيص دعم مالي يغطي 75 في المائة من مصاريف الحملات الانتخابية، من شأنه أن يوسع قاعدة المشاركة السياسية، ويمنح فرصاً أكثر عدالة للشباب، خصوصاً أولئك الذين لا ينتمون إلى شبكات النفوذ التقليدية أو لا يتوفرون على إمكانيات مالية كبيرة.
إنها خطوة تتجاوز منطق الشعارات السياسية إلى منطق التمكين الفعلي، وتجسد الانتقال من مرحلة دعوة الشباب إلى التصويت فقط، إلى مرحلة إشراكهم الحقيقي في صناعة القرار العمومي والمساهمة المباشرة في تدبير الشأن العام.
ويأتي هذا التوجه في انسجام تام مع مقتضيات دستور 2011، خاصة الفصل 33 الذي يدعو إلى تشجيع مشاركة الشباب في الحياة العامة وإحداث آليات لتأهيلهم سياسياً، إلى جانب الفصل 31 الذي يكرس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الولوج إلى المسؤوليات والوظائف العمومية.
تجدر الإشارة إلى السؤال الذي يطرحه الرأي العام اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: إذا كانت مهمة بعض السياسيين هي تأطير الشباب وإعداد الخلف، فلماذا ما زالت نفس الوجوه تتصدر المشهد بعد عقود طويلة؟ وهل يحتاج الشباب إلى مزيد من الدروس النظرية، أم إلى فتح الأبواب أمامهم ليتحولوا من متفرجين على السياسة إلى صناع حقيقيين لها؟ إن الرهان اليوم لم يعد فقط في نقل التجربة، بل في إفساح المجال أمام جيل جديد يمتلك الكفاءة والرؤية والطموح للمشاركة في بناء مغرب الغد.













